1. Skip to Menu
  2. Skip to Content
  3. Skip to Footer>

الآيزو الأخلاقي - 4

الحلقة الرابعة

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام علي سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اجعلنا ممن لزم ملة نبيك سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وعظم حرمته وأعز كلمته وحفظ عهدك وذمته ونصر حزبه ودعوته وكثر تابعيه وفرقته ووافى زمرته ولم يخالف سبيله وسنته. اللهم إنا نسألك الاستمساك بسنته ونعوذ بك من الانحراف عما جاء به. اللهم إنا نسألك من خير ماسئلك منه سيدنا ومولانا محمد عبدك ونبيك ورسولك صلى الله عليه وسلم ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه سيدنا ومولانا محمد عبدك ونبيك ورسولك صلى الله عليه وسلم. ونسألك يا الله يا واحد يا أحد العفو والعافية والهداية والتوفيق والرضا والستر والحفظ وأن تجعلنا من خير المصلين والمسلمين على رسولك وحبيبك سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

إما بعد .. فقد قال سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الحديث : "يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" فإذا علمنا وعرفنا ذلك فيجب علينا أن لا نصادق ونصاحب ونخالل إلا من ينهضنا حاله لمكارم الأخلاق ويدلنا على الله مقاله.

اعلم وفقني الله وإياك لصالح الأعمال وأكمل المعاملات من آداب الباطن والظاهر "اللهم أجعل سريرتي مثل علانيتي" وأذاقني وإياك حلاوة القرب والوصال ... آمين. انه يلزم علي من يريد أن يكون من المحسنين وفي مرتبة ومراتب الإحسان ليستحق جائزة الحق سبحانه وتعالي في قوله : "إن رحمة الله قريب من المحسنين".

أولاً: البحث عن القدوة أو الشيخ المربي كما في قوله سبحانه وتعالى : "لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً" وكما قال سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : "أنا جدُ كل تقي". إذا الشيخ الكامل هو الأب الروحي وحاجتنا له شديدة كما هي حاجتنا للأب الجسدي في رعايته وتربيته لنا.

ثانياً: أخذ العهد (أي التسجيل في الكلية العالمية الدولية والجامعة للدنيا والآخرة) من شيخ عارف كامل مكمل وارث واصل موصل إلى حضرة الله. وقد سمعت من سيدي الشيخ -رضي الله عنه وعن جميع الصالحين- أن "من دلك على الدنيا فقد غشك ومن دلك على الآخرة فقد أتعبك ومن دلك على الله فقد أراحك". أيضاً الناس والدعاة والوعاظ يدعون بفكر ويتكلمون بتنظير عن أبواب الله سبحانه وتعالى عن بعد وقرب أما المشائخ الكمل يدلون على الله ويدعون إلى بصيرة ويأخذونك لحضرة الله القريب المجيب ويجلسونك بين يديه. فأنظر الفرق وتفكر في المعني لتفلح وتنجح ونسأل الله المحسن العليم الرضا والتوفيق واليقين.

بعد ذلك علينا أن نستقيم في التوبة. لأن التوبة أصل كل حال وأصل كل مقام وهي بمثابة الأرض بالبناء فكما أن من لا أرض له لا بناء له وكذلك من لا توبة له لا حال له ولا مقام له. لذلك إذا لم يبدأ من مقام التوبة الذي هو أول منازل السائرين والسالكين إلي حضرة الله عز وجل. لذلك أمر الحق سبحانه وتعالي بالاستقامة في التوبة قائلا لسيدنا ومولانا محمد رسول الله المعصوم الأكبر صلي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : "فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك" ويقول الأشياخ رضوان الله عليهم أجمعين : "من استقام في توبته وزهد في الدنيا فقد انطوي فيه سائر المقامات والأحوال الصالحة". ومما يساعد علي التوبة في إحدى معانيها وكما ورد في الأثر عن سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم : "صفاء الصدور لا يعدله عمل" أي بلغة العوام "الذي فات مات وكل يوم أنا مع صفحة جديدة وورقة بيضاء" إضافة على المبدأين الأساسيين في التصوف الإسلامي كما حفظته من سيدي وشيخي رضي الله عنه وعن سائر الصالحين "الصلح والاصطلاح مع الله عز وجل والسلم والمسالمة مع الناس". وهذا لن يُنال ولا يُكمل إلا بسلوك طريق الاستقامة والصراط المستقيم.

المقصود هنا بالسلوك هو قرع باب المجاهدة من التخلي للأخلاق المذمومة السيئة التي اكتسبناها منذ أن خرجنا من بطون أمهاتنا والتحلي بالأخلاق النبوية الشريفة الحسنة في الأقوال والأفعال والحركات والسكنات الموجودة أصلا مع فطرتنا السوية كما قال بذلك سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : "ما من مولود يولد إلا علي الفطرة ... الحديث" أي علي مكارم الأخلاق والاستقامة.

لذلك كانت دعوتنا الى الآيزو الاخلاقي العالمي = التصوف الإسلامي والذي يُعرف بأنه تربية علمية وعملية للنفوس وعلاج لأمراض القلوب وغرس للفضائل واقتلاع للرذائل وقمع للشهوات وتدريب على الصبر والرضا والطاعات والعمل على بناء الوطن وتنمية قدرات المواطنين الحسية المعنوية والجسدية الروحية. وهو مجاهدة للنفوس ومكابدة لنزعاتها ومحاسبة دقيقة لها على أعمالها وحفظ للقلوب عن طوارق الغفلات وهواجس الخطرات وزهاده في كل ما يلهى عن ذكر الله سبحانه وتعالى.

والتصوف الإسلامي هو معرفة لله وتوحيد لله وتوجه إلى الله وإقبال عليه وإعراض عما سواه وعكوف على عبادته (العمل = عبادة) وطاعته (يأكل الحلال من كسب يده) ووقوف عند حدوده وتعبد بشريعته وتعرض لنفحاته وهباته. وجملة القول فيه أن التصوف الإسلامي هو "فن إسلامي" يصعد بك إلى كمالات البشرية ويعرج بك إلى مدارج مسالك العارفين بالله سبحانه وتعالى إضافة على انه علم وحكمة وتبصرة وهداية وتربية وتهذيب وعلاج ووقاية وتقوى واستقامة وصبر وجهاد وفرار من فتنة الدنيا وزينتها كما أمر بذلك ربنا سبحانه وتعالى في القران الكريم : "ففروا إلى الله".

وقد وصف الأشياخ -رضوان الله عليهم أجمعين- التصوف بأنه الدخول في كل خلق سني جميل والخروج من كل خلق دني قبيح. وقالوا أيضاً (رضوان الله عليهم أجمعين) الناس في الأدب على ثلاث طبقات :

  1. أهل الدنيا فأكثر آدابهم الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم والمنظوم.

  2. أهل الآخرة فأكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات.

  3. أهل الخصوصية والصوفية فأكثر آدابهم في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء بالعهود التي بين العبد وربه وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب.

إذن فالتصوف الذي يجمع بين العلم والعمل والأدب هو لب الشريعة وروحها وثمرتها وحكمتها كما قال بذلك الأشياخ وهم سادة هذا الفن وهذا الميدان -رضوان الله عليهم أجمعين- : "الطرق والسلوك والمدارس كلها مسدودة على جميع الخلق إلا على من اقتفى أثر سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم". وقد أختص هذا النوع من العلم الشرعي كما أشار إليه العالم العامل المؤرخ سيدي ابن خلدون -رضي الله عنه وعن جميع الصالحين- في المقدمته باسم "التصوف = علم الحقيقة" كما أختص النوع الآخر منه الخاص بالأحكام في العبادات والمعاملات باسم "الفقه = علم الشريعة" وقال الأشياخ -رضوان الله عليهم أجمعين- في بيان ترابط هذين العلمين وتعاونهما في تكوين المسلم المؤمن المحسن الكامل ظاهرًا وباطناً حساً ومعنى مادة وروحا ٍٍ: حقيقة أي "تصوف بلا شريعة باطله وشريعة بلا حقيقة عاطلة" فهما للمسلم كجناحي الطائر لا يستقل ولا يستغنى بأحدهما دون الآخر للوصول للكمال البشري.

وهناك تصوف منتحل زائف مبتدع انتحله قديماً وحديثاً لئام من الناس اُشربوا تعاليم الباطنيه وتدثروا بدثار الصوفية اجتذاباً للعامة وتغريراً وخداعا وتلبيسا ودسوا في التصوف إلحادهم ومقالتهم الشنيعة في الدين إضلالا للمسلمين. هؤلاء ليسوا من الصوفية ولا التصوف الإسلامي منهم في شئ وينكرهم كل الإنكار أولئك الأشياخ والفحول من العلماء العاملين -رضوان الله غليهم أجمعين- ويحسبونهم أدعاء في نسبتهم مزورين وزنادقة ملحدين. وقد كشف خبأهم وفند مزاعمهم وأبطل تصوفهم كثير من مشائخ الإسلام في كل عصر وسيستمر إلي أن تقوم الساعة لأنه لا يزال ولن يزل صراع بين أهل الحق وأهل الباطل.

وهناك آخرون انتسبوا إلى الصوفيه زوراً واتخذوها سمة وحرفة وتوارثوا فيما بينهم بدعاً وشعارات زائفة وتقاليد منكرة هم أدعياء في التصوف وقطاع طريق ودخلاء على الصوفية مبتدعون آثمون. يبرأ ويتبرأ منها التصوف الإسلامي وأعلامه وشيوخه من أولى العلم والنور واليقين -رضوان الله عليهم أجمعين-. ولنا هنا وقفة لتوضيح الموقف الصوفي الصحيح الصريح مع الحديث المشهور بمسلسل الصوفية في قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : "اتقوا فراسة المؤمن فانه يري بنور الله".

من أجل ذلك نتوصل الى نتيجة مهمة جداً وهي أن الجاهل الحاسد الحاقد الكذاب من يقول : أن أهل التصوف الإسلامي يدعون إلي الكسل والبلادة والبلاهة والبطالة والتسول والشعوذة والسحر والبدع والضلال والكفر وعبادة القبور. كل هذه التهم الفاسدة الباطلة من أجل حقيقة واحدة هي ضرب الإسلام والمسلمين المتمثل في تشويه صورة العلماء الربانيين الواصلين والموصلين لله سبحانه وتعالى بسندهم المتصل إلى حضرة سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبقطعهم لهذا السند الموصل والمتصل (إذا نجحوا) يبقي المسلمون بلا قائد يقودهم ويربيهم ويعلمهم ويؤدبهم وهذا هو الحاصل في وقتنا الحاضر للأسف الشديد.

يجب علينا الاعتراف والرجوع إلي الحق سبحانه وتعالي عن طريق سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم لقوله صلي الله عليه وسلم : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين". وقال سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين: "كنا أذلاء فاعزنا الله بهذا الدين" أي بسيدنا ومولانا رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم بخلفاء سيدنا ومولانا رسول الله صلي الله عليه وسلم الأربعة المتفق عليهم ثم بعد ذلك بباقي خلفاء سيدنا ومولانا رسول الله صلي الله عليه وسلم من أهل العبودية لله سبحانه وتعالي من كبار الأولياء من العلماء العاملين والربانين ومشائخ الإسلام إلي أن تقوم الساعة ويرث الله الأرض ومن عليها.

وإحقاقا للحق وإنصافا للصادقين يجب أن لا يحملوا أوزار أولئك الأدعياء البطالين وأن لا يطلق القول في ذم التصوف والصوفيه الإسلامية بل يعطى كل فريق حقه من المدح والذم ومن الترغيب والتحذير دون تعصب وعصبيه أو إجحافا واتهاما بدون دليل وعلم وفراسة ومكاشفه واستخارة واستشارة من أهل العقل والعلم والعمل والأدب. ونختم هذه الفقرة من كلام سيدي الإمام الشاطبي رضي الله عنه ومن سائر الصالحين: في بيان "أن الصوفيه الصادقين هم أهل إتباع لا ابتداع وإنهم احري بالمدح والتقدير وإنهم أبعد الناس عن البدع وأهلها وأرعى الناس للحفاظ على إتباع الشريعة وآدابها". ولان روح طريق سادتنا الصوفية رضوان الله عليهم أجمعين في الصحبة مع المحبة وبذل الخدمة مع التصديق والاعتقاد والتسامح والإيثار مع الإحسان.

مع تحيات

دكتور محمود الحسيني

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

أضف تعليق


Security code
Refresh

دخول الأعضاء

المتواجدون الآن

يوجد 6 زائر حالياً

قائمة أخــــرى