الآيزو الأخلاقي
الكاتب: مسؤول الجمعة, 03 كانون1/ديسمبر 2010
الحلقة الأولى
هل إلى الكمالات البشرية طريقٌ قد أغلق أو أغلقناه, فإذا كان كذلك ... هل لنا أن نستثمر ثغرات هذا الطريق المسدود لكي نصل إلى الفطرة والسعادة الإنسانية كما وصفنا به ربنا عز وجل في كتابه "كنتم خير امة أخرجت للناس" وأبرزها للوجود صراحة سيدنا ومولانا رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وصحبه وسلم في قوله الجامع الشامل : "ما من مولود يولد إلا علي الفطرة...".
لقد كثرت في السنوات السابقة إصدارات الكتب الجديدة والمفيدة وبعضها مترجم للعربية والتي تلاقي انتشار واسع عند معظم فئات الشعب على مختلف مستوياتهم. الكل يبحث عن ذاته وعن نجاحاته وعن حل لمشكلاته وعلى تربية أولاده ... , من خلال هذه الكتب الذي كتبها مفكرين وعلماء نظريين من الغرب والشرق. الجميع يبحثون وباستمرار عن سعادة هذا الإنسان ويرسمون الخطط العريضة في كيفية الوصول إلى الكمالات الإنسانية عن طريق دراساته (نظرياً) وتجاربه (تطبيقاً) ليتم تعريفه وإيجاد عناصره وإبراز أهميته. الكل يعمل على حسب هواه ورغباته وطموحاته وخلفياته الثقافية والفكرية واللغوية والحسية والمعنوية والروحية.
إن مما دفعني للكتابة في هذا العلم المشتمل على ذوق وسلوك وعمل وفن وتربية لأنه مرتبط الآن وقبل أي وقت سابق بجميع شعوب الأرض في البحث عن "القدوة والمربي" في شتي المجالات الدينيه والعلمية والادبيه والهندسية والسلوكية والنفسية والاجتماعية ... جميع عقلاء الأرض يبحثون ويحاولون الوصول لممارسة مكارم الأخلاق من طرق وإبعاد وزويا مختلفة. منهم من يبحث عن طريق الآيزو العالمي والجودة الشاملة والهندسة القيميه والهندسة النفسية ومنهم عن طريق الشراكة بين القطاع الحكومي والخاص ومنهم عن طريق دمج الشركات ومنهم عن طريق إعادة الهندسة والهياكل وهندسة الإجراءات ... , مع الاستفادة من آخر الإصدارات والصرعات والموضات والموديلات. إذن الحاجة شديدة وكبيرة في المنافسة داخل هذا السوق العجيب الغريب الذي يسع جميع الشعوب على حجم اختلافها في الكم والكيف لقوله سبحانه وتعالي : "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم".
لذلك كان من الواجب على المفكريين وعلماء الأمة المسلمة المشاركة والمساهمة في هذا السوق الدولي في اطروحاته وأوراق أعماله من خلال تقديم التصوف الإسلامي الصحيح الصريح علي أنه هو الطريق الآمن والمستقيم في تنفيذ الحملات الوطنية القومية والعالمية للحصول علي الجودة الشاملة وعلي الآيزو العالمي في مكارم الأخلاق المشتمل على كل شئ مصداقاً لقول سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : "أنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وأتمنى أن نحصل علي الدعم في تأسيس الآيزو العالمي الأخلاقي بمشاركة جميع طوائف المجتمع وبالأخص مشائخ الطرق الصوفية العالمية الذين يملكون الثروات الملكية الفكرية الرقمية الوطنية لتحقيق الجودة الشاملة. ولكن وللأسف وحتي تاريخه لم تستغل هذه الثروة الوطنية الضائعة ولا تدار بشكل صحيح إضافة إلي أنها ليست مقيمة القيمة الحقيقية لأنها ليست معروفة ومعرفة.
المطلوب أن نعمل بجد وإخلاص وأمانة في البحث عن الدراسات والتجارب العظيمة التي قدمها العلماء الربانيون والأولياء المحققين من أهل الله خلال التاريخ الطويل في الاستفادة من الكم الكبير والكيف العجيب من المعلومات المتاحة والمتوفرة لدي أبناء مشائخ الطرق الصوفية مع البدء بالتنفيذ فورًا كما قال ربنا عز وجل : "وقل اعملوا..." فإذا صدقنا مع الله العمل فعند ذلك يبارك ويرضي الحق سبحانه وتعالى عنا وأيضا رسوله والمؤمنين لقوله تعالى "وقل اعملوا فسير الله عملكم ورسوله والمؤمنين".
ومن أمثلة الآيزو الأخلاقي المقترح على سبيل المثال وهو قول سيدي أبو مدين الغوث -رضي الله عنه وعن سائر الصالحين- والذي يعتبر من احد المؤسسين "للجودة الشاملة = التصوف الإسلامي" من خلال حسن سيرته وجمال قدوته والتي عبر عنها في أقواله وأشعاره :
وبالتفتى على الأخوان جد أبدا * حسا ومعنى وغض الطرف إن عثرا
هل نستطيع أن نصفح عن من اشتغل بأذيتنا وعدم المؤاخذة له بل والتماس المعذرة له. فمثلاً إذا نظرت إلي الناس وما جري عليهم من قدر الله عذرتهم وإنما يجىء الملام من عدم شهود أمر الله النافذ فيهم؟. هل نستطيع أن نحنُ مع ذلك عليهم ونشفق علي حالهم مخافة أن يدركهم الهلاك بسبب تماديهم علي فعلهم القبيح. هل نستطيع أن نعاملهم مع ذلك حرصاً علي إزالة ضعفهم ومحو ما في قلوبهم من الغفلة والكسل وعدم المبالاة وتبلد الحس وعدم الشعور بالوطنية والمسؤولية. هل نستطيع إذا اشتكى لنا أحد عن من أذاه أن نسليه عن ذلك وحمله على الحلم والعفو وحثه على الاشتغال بما يعنيه. هل نستطيع أن لا نحب المتعنتين بنصرة أنفسهم ولا نحب الغلظة ولا الفظاظة ولا أهلها لأن الحليم يحلم الله عليه لقول سيدنا ومولانا رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) : "الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
هل نستطيع أن نترحم على الكبير والصغير وكل ضعيف مستضعف ونعفو عن المساكين ونقول بضعفائكم ترحمون ومن عفي يعفي الله عنه. هل نستطيع أن نعرض عن جهل الجاهلين ونصبر على جفوة الجافين ونعفو عن أذية المؤذين بل هل نستطيع أن نُحسن إلى من أساء إلينا ونَحنُ عليهم بعد التجاوز عنهم ونعطف عليهم ولا نزال نلاطفهم قولا وفعلا ونعاملهم بالجميل وبالتي هي أحسن ونبرهم ونحرص على إيصال الخير إليهم رحمة لهم وشفقة عليهم حتى يستحوا من ذلك غاية الحياء ويخجلوا غاية الخجل بل ويعجبوا من عفونا لهم ثم تفضلنا عليهم ومن سباق سيئاته التي عادت كالحسنات لديه لقوله سبحانه تعالى : "إن الحسنات يذهبن السيئات".
ولنا تكملة في المقالات التالية ومع طريق الكمالات البشرية والفطرة الإنسانية والوطنية المنشودة في تطبيق الآيزو الأخلاقي العالمي من خلال الاستفادة من التراث الصوفي الإسلامي المتاح والمتوفر لدي أبناء مشائخ الطرق الصوفية الإسلامية العالمية حتى أن بعض الأشياخ -رضوان الله عليهم أجمعين- يقول: "من اشد الحرمان أن تجتمع مع أولياء الله تعالى ولا تُرزق العلم والعمل والأدب" وكما قال سيدي الشيخ السكندري رضي الله عنه وعن سائر الصالحين في الحكم العطائيه "ما الشأن وجود الطلب إنما الشأن أن تورث حسن الأدب".
ونختم بجملة ما نصح به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أمته : "علامة إعراض الله تعالي عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه وإن أمرا ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له من العبادة لجدير أن تطول عليه حسرته ومن جاوز الأربعين ولم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى النار". وفي هذه كفاية لأهل العلم والعمل والأدب. لذلك يجب الاستفادة من هذا التراث الضخم جدا والتي اُعبر عنها كحقل كبير من الغاز والبترول أو كمنجم عظيم من الذهب والجواهر النفيسة يمكن توظيفه واستغلاله والاستفادة منه, مثلا في محاربة البطالة وإيجاد فرص العمل لأولاد المشائخ وللمنتسبين للطرق الصوفية ولجميع المواطنين.
مع تحيات
دكتور محمود الحسيني
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.




